آخر تحديث

آراء في اصلاح الاجهزة القضائية في العراق

الدكتور صفاء الحافظ

 لقد اعارت الحركة التقدمية في العراق، خلال تطورها المستقل، اهتماما كافيا لمعالجة العديد من القضايا العامة في بلادنا، ومن البديهي ان ينصب جل اهتمامها على بلورة برامج واضحة في المجالين السياسي والاقتصادي، ولكنها مع ذلك حاولت صياغة برامج أولية في حقول التربية والتعليم والثقافة… الخ الا ان من المؤسف لم يحظ جهاز القضاء باهتمام الكتاب التقدميين المعنيين رغم كونه من المرافق الحساسة ذات الصلة المباشرة بحريات وحقوق المواطنين، سيما وانه تم تدمير النظام الاقطاعي وامتداد سلطة القضاء الى بعض المناطق الريفية التي كانت تخضع سابقا الى العرف العشائري – الاقطاعي.

ان القضاء وهو اداة المشرع، ملزم بتطبيق القانون، والقانون، كما هو معروف، يعكس ارادة الطبقات التي تمسك بزمام السلطة. فالقاعدة القانونية إذن تصوغ العلاقات القانونية الاجتماعية طبقا لمصالح معينة, فهي كلمة الحاكمين بما تعكسه من اوضاع اقتصادية، وما تمليه من قيم، وما تنشئه من مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية، ومؤسسة القضاء هي احدى التي ينشئها القانون ويلزمها باحترام احكامه، لكن الجوهر الطبقي للقاعدة القانونية لا يمنع الجماهير الشعبية (سيما في فترات توازن القوى) من الكفاح من اجل احترام مبدأ المشروعية وتقييد سلطة الادارة ومنعها من العبث بحقوق المواطنين دون احترام لقيود قانونية موضوعية، والشعب عندما يتمسك بالمشروعية، لا يكف في الوقت نفسه، عن النضال من اجدل تغيير القوانين الفاسدة، ذات المحتوى الطبقي الرجعي، واستبدالها بقوانين تقدمية جديدة، ان الدفاع عن (مبدأ المشروعية) يعد، بحد ذاته، منطلقا نحو خطوات تشريعية تقدمية، ويشكل في الوقت نفسه حدا ادنى من الضمان الضروري.

ان مبدأ المشروعية يعني مراقبة ممارسة الحكم في حدود القواعد القانونية المعلنة، وطبقا لها، ومراقبة الافعال في ضوء الاحكام القانونية القائمة، وضمان ان هذه الاحكام تتحول فعلا الى واقع مادي.

ولا شك ان تطبيق القوانين الفاسدة، التي تحمي مصالح الاقلية المستغِلة، امر ضار، وقد يرى البعض ان خرق هذه القوانين يكون احيانا في صالح الاكثرية، لكن التجارب اثبتت ان القاعدة الفاسدة يجب ان تلغى لا ان تخرق، وان تعطيل اية قاعدة، بغير الالغاء او الاستبدال، يفضي الى محاذير مؤكدة، لان ذلك يؤدي الى انقطاع العلاقة بين العمل والقول، أو بين النظرية والتطبيق، أو بين القاعدة القانونية والنشاط العام، وهذا يمس مبدأ المشروعية في الصميم ويفتح المجال واسعا للطبقات الحاكمة لتستفيد من خرق القواعد القانونية، في مجالات معينة، للعبث بالمشروعية باستمرار.

ان الفصل بين القاعدة والفعل قد يؤدي في ظرف معين الى مكاسب للشعب، ولكنه اسلوب لا يكفل الاستمرار، ويفتح السبيل امام محاذير كثيرة، وتجربتنا منذ ثورة 14 تموز 1958 تؤيد ما نقول.

ان محاولة الغاء القوانين الرجعية لا يتم الا عبر معارك سياسية تتطلب كفاحا تشنه الجماهير، ولكن هذا الكفاح نفسه هو ضمان انتصار الإلغاء، وهو الذي يحمي القانون الجديد الذي يصبح مستقرا في ضمير الجماعة.